أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
31
التوحيد
وكل شيء سواء ، فإن كانا يرجعان إلى أجزاء العالم فهما يحدثان بحدثه ويفنيان بفنائه . ثم لا يجوز أن يكون لواحد منهما ألوهيته ؛ لظهور العجز والجهل بهما ، والعالم هو دليل قوى عليم حكيم ، فهما في تلك الجملة . وبعد ، إذ لم يكن واحد منهما قدر أن ينشئ فعلا يدل عليه ثبت أنهما مفعولان لا فاعلان . ومما يبيّن أنهما فعل لواحد ، ما ليس في العالم شيء بجوهره خير ، حتى لا يكون منه شر في وجه أبدا ، ولا شر لا يكون منه خير في وجه أبدا ، ثبت أن إنكار مثله عن الواحد غير ممكن . ثم الأصل أن الامتزاج لا يخلو من أن يكون شرا أو خيرا ، فإن كان خيرا لا يخلو من أن يكون من الظّلمة ، فيكون منها الخير ، وبطل قولهم بالاثنين من حيث لا يكون من الشر خير ولا من الخير شر ، وإن كان شرا فقد شاركه الخير في القبول فصار شرا ، وإن كان ذلك من النور فالوجهان قائمان فيه . مع ما إذ كانا غير ممتزجين فامتزجا ، لا يخلو امتزاجهما من أن يكون بأنفسهما فيكونان ممتزجين بالجوهر متباينين به ، وذلك متناقض . ولو جاز ذلك لجاز أن يكونا متحركين بأنفسهما ساكنين حيّين ميّتين قاعدين قائمين . مع ما يفسد أن يكون التباين لنفسه يقع ، ثم امتزاج بما كان به التباين . ألا ترى أن الأحوال التي تتغير بالأعيان لم يجز وجودها إلا بغير ، فكذلك التباين والامتزاج ، فثبت أنهما بغيرهما امتزجا وبغيرهما كانا متباينين وذلك يوجب حدثهما . وبعد ، فإنهم يقولون بحرمة الذبائح ، وأحقّ من يحل هم ؛ إذ بها التفريق بين الجسد المظلم وبين الروح المضيء ، وبين النور الجليّ والظلمة السّتّارة ، وبذلك وصفوا النور بأنه رقيق درّاك ، وبالرّوح ذلك لا بالظّلمة ، فيجب به حلّ الذبح ، ولا قوة إلّا باللّه . وأصله أنهم ينكرون الشر من جوهر الخير ، والخير من جوهر الشر ، هذا الذي حملهم على القول باثنين . ثم قد أثبتوا الإقرار بالقتل ، وبما هو عندهم معصية ، فلو كان من غير الذي منه القتل فقد كذب ، وهو شر ، ولو كان منه فقد صدق بالإقرار بالمعصية ، ثبت أن العجز عن إدراك الحكمة في خلق الشر لا يضطر إلى القول باثنين ؛ لما فيه تحقيقه أيضا ، ولا قوة إلّا باللّه . على أنهم أحقّ الخلق في الامتناع عن النطق بالحكمة أو طلب العلم ؛ لأن قولهم : إن جوهر النور لا يجئ منه شر قط ، والجهل شر ، فإن كان من ذلك الجوهر فهو عالم بجوهره حكيم به ، لا يحتمل الجهل ولا السّفه ، والتّعلم وطلب الحكمة حق الجهال بهما ، وإن كان من جوهر الشر فإنه لا ينجع فيه ؛ لأنه بجوهره لا يقبل ولا